اختصام الجهة الإدارية المشرفة في غير المسؤولية العقدية – حجية الحكم تثبت لمنطوقه، متى يصار إلى الأسباب
القاعدة
في غير المسؤولية العقدية، فإن توفر الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة في الوحدة الإدارية لا يحول دون اختصام السلطة الإدارية المشرفة عليها، يستوي في هذا اختصام هذه الجهات فرادى أو مجتمعة.
لئن كان مقرراً في قضاء هذه المحكمة أن أسباب الحكم تكمِّل منطوقه، إلا أنه لا يصار إلى الأسباب إلا من أجل تكملة ما قد يعتري المنطوق من نقص، أو لتجلية ما قد يكتنفه من غموض أو إبهام. فحجية الحكم القضائي تثبت لمنطوقه فحسب بحسبانه القول الفصل في النزاع، ولذا فلا تنبسط إلى الأسباب التي بُني عليها المنطوق إلا في حدود ما ارتبط منها به ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يكتمل بناؤه ولا يستقيم فهمه إلا بها. وعلى هذا، فمتى كانت عبارات المنطوق مبِيْنةً قاطعةً في الدلالة على المراد منها، امتنع الانحراف عن معناها الواضح وتأويلها وفهم الحكم على خلاف معناها المباشر بحجة الاستهداء في ذلك بأسبابه.
ملخص القضية
أقام المطعون ضده الأول عن نفسه وبصفته الدعوى ...-2021 أمام محكمة ... الابتدائية، مختصمَاً الطاعنين (الجهات العامة) والنيابة العامة بما مجمله أن والده ومَن يمثِّل غرق يوم 13-1-2009 في البحر، وأنه لم يتسن للسلطات العامة العثورُ على جثته ولا على أي أثر له بسبب عمق المياه وشدّة تياراتها، وهو ما انتهى بسببه ملف الواقعة إلى قيدها "عوارض" وحفظها. لهذا فهم يقيمون دعواهم بعد مضي 12 سنة طلباً للحكم بثبوت وفاة والدهم، وبإلزام المدعى عليهم بإثباتها في السجلات الرسمية.
أجابتهم المحكمة إلى طلبهم، فاستأنف الطاعنون الحكم أمام محكمة استئناف ... فقضت "بعدم قبول الاستئناف لرفعه من غير ذي صفة وعلى غير ذي كامل صفة"، وهو الحكم المطعون فيه.
المسألة والرأي
وحيث إن مما ينعى به الطاعنون على الحكم المطعون فيه أن قضاءه بعدم قبول استئنافهم جميعاً مخالف للقانون، إذ فاته أن توجيه الخصومة إلى الجهة المشرفة والتي تتربَّع على قمَّة الهرم الإداري يغني عن اختصام "الجهات الإدارية الأخرى ذات الصلة"، وأنه لهذا السبب يكفي لقبول الخصومة تحقّق صفة الجهة المشرفة فيها. ولما كان الاستئناف مرفوعاً من مصلحة الأحوال المدنية ومن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، فإن قيام صفة هذا الأخير في رفعه تكفي لقبوله. وإذ قضى الحكم المطعون فيه بعدم صفة الطاعنين، فإنه يكون مخالفاً للقانون.
وحيث إن هذا النعي في مجمله سديد. ففي غير المسؤولية العقدية، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، فإن توفر الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة في الوحدة الإدارية لا يحول دون اختصام السلطة الإدارية المشرفة عليها، يستوي في هذا اختصام هذه الجهات فرادى أو مجتمعة.
وحيث إنه ولئن كانت مصلحة الأحوال المدنية هي الجهة المعنية بإثبات واقعة الوفاة في السجلات الرسمية، إلا أنها بطبيعة عملها جهةٌ إدارية تخضع لإشراف وزيرِ الداخلية فرئيسِ الوزراء. ولما كان الاستئناف في الحكم المطعون فيه مرفوعاً من هذين الأخيرين بوصفهما محكوماً عليهما، فإنه يكون مرفوعاً من ذوَي صفة، فلا يؤثر في قبوله من هذه الناحية مشاركتُهما في رفعه ممن لا صفة له. وإذ لم يلتزم الحكم المطعون فيه هذا وقضى بعدم قبول استئنافهما أيضاً، يكون قد حاد عن صحيح القانون.
ولا يعصم الحكمَ من عيبه ما ضمَّنه أسبابه من أن عديم الصفة في رفع الاستئناف هو المستأنف الثالث؛ ذلك أنه وإن كان المقرر في قضاء هذه المحكمة أن أسباب الحكم تكمِّل منطوقه، إلا أنه لا يصار إلى الأسباب إلا من أجل تكملة ما قد يعتري المنطوق من نقص، أو لتجلية ما قد يكتنفه من غموض أو إبهام. فحجية الحكم القضائي تثبت لمنطوقه فحسب بحسبانه القول الفصل في النزاع، ولذا فإنها لا تنبسط إلى الأسباب التي بُني عليها المنطوق إلا في حدود ما ارتبط منها به ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يكتمل بناؤه ولا يستقيم فهمه إلا بها. وعلى هذا، فمتى كانت عبارات المنطوق مبِيْنةً قاطعةً في الدلالة على المراد منها، امتنع الانحراف عن معناها الواضح وتأويلها وفهم الحكم على خلاف معناها المباشر بحجة الاستهداء في ذلك بأسبابه.
لما كان ذلك، وكان منطوق الحكم المطعون فيه، وقد قضى بعدم قبول الاستئناف "لرفعه من غير ذي صفة"، مطلِقاً اللفظ من التحديد، يكون أفصح عن عدم قبوله له من المستأنفين جميعاً، فلا يصح من بعد تقييده بما تضمنته أسبابه من تأسيس مخالف لهذه النتيجة، ما يتعين معه القضاء بنقضه.
النتيجة
نقض الحكم المطعون فيه، والإحالة.


أضف تعليقاً